رواية يوسف يا مريم ( 3 )

غمامةٌ على الوجه، كرسيٌّ يعاني الشّيخوخة، ظلامٌ دامس، تلك معالِمُ غُرفة الموت.
 يدخل النقيب رفعت، ومعه مجموعةٌ لا بأس بها من الألفاظ النابية.. يسأله يوسف: أين أنا؟ من أنتم؟..
فيجيب النقيب بصفعةٍ على وجهه، ثم يركل الكرسيَّ الذي ثُبِّت به يوسف، فينكسر ويرتَطم رأس يوسف بالأرض. يفرُك النقيب جزمته على رأس يوسف، كما يفرك المدخّن سيجارتَهُ تحت قدمه.. يكسر زجاجة شراب بكعِب قدم ضحيّته، ثم يضعْها على الأرض ويطلب من السّجّان أن يُجلِسَه عليها. وما هي إلا لحظات، وتخشع الجدران وجعًا على صراخ يوسف.

لم يتم التحقيقُ مع يوسف، ولم يتفوّه النقيب بسؤالٍ واحد. كل ما بصَقَهُ هو التعذيب اللإنساني. هكذا يتمُّ التعاملُ مع من يرتَفعُ زِئبَقُ تقاريره على ميزان أجهزة الأمن، فلا مجال لمحاكمة، ولا مجال لقانون، ولا مجال للأسئلة دون المرور على صراط العذاب..
يُشعِل النقيب رفعت سيجارة، ثم يقترب من يوسف ويمزّق قميصه ببطءٍ، ويطفيء السيجارة في صَدْره. ولو كان مزاجُه جيدًا، لاختارَ في جسمِه مكانًا أكثر وضاعةً، كما اعتاد ممارسة أسالِيبه الشّاذة في التّعذيب.
***
هوجة السلطة تتفشّى في وسائل الإعلام، وعلى الجدران، والمطابع، القضية الأولى التي يتحدث بها سائقو السّيارات، حالة جديدة يشهدُها النّاس آنذاك، فهي أول انتخابات تضمّ أكبر الأحزاب السّياسية، التي لم تشارك في السّلطة من قبل..
وتتَلخَّص المنافسة بين أشدِّ الأحزاب مُلاسَنة، وكلٌّ منهم لديه نُوته خاصة يعزُف بها على أوتار مشاعر الناس. بعض الناس انتهى لأن يختار الحزب ذي الطابع الديني، والذي اكتَسَب شعبيّته من تصريحاته الهُجومية التي تَنشُدها اسرائيل في حال فوزه، والتي كانت تأخذ اتجاهًا إيجابيًا لحساب الحزب، بعكس المضمون الظاهري!
وطلَّاب المدارس أصبح بحوزتهم موضوعٌ مهمٌّ لإثارته في الحصص الدراسية، كوسيلةٍ للهروب من الدروس، واستعراض ثقافتهم الموروثة من حديث آبائهم عن التاريخ النِضاليّ للأحزاب، وأيضًا تاريخَهم الانهزاميّ..
شيءٌ من الفوضى الخلّاقة بدأ يشتدُّ أزيرُه في فلسطين..
***
انبَلَجَت تباريحُ الصّباح من خلف الستار، أشعةُ الشمس تتلصّص النّظر لإشراقة جفنٍ من طَورِه الأول.. يزداد سطوعُها، وحالت فراشةً تزفّ لرِمش عينيها نبأ الصباح..
تفرك عينيها قليلًا، ثم تذهب لتعتني بقهوتها السّمراء، ذلك السّر الذي طالما حافظ على أناقةِ يومِها. تأخذ مريم قهوَتها، وتذهب بها إلى حديقة بيتها الصّغيرة..
تجلس على الكرسيّ، مُمارِسةً رياضَة التّأمُل، وتبدأ بكتابةٍ ذِهنيّة ليوميّاتِها، كتلك التي يمارسها المعتقلون في سجون تحرِّم على أيديهم لمسَ القلم..
"يوسف..يوسف..يوسف، يحدث أن تسرُقني بهذا الشكل، أنت الذي كنتَ حاضرًا طفولتي، وغبْتَ طويلًا، وها أنت تعودُ في صباي.
أريد أن أتذكّرك على مهل، أنت الخدوم دائمًا....
أذكر تلك الأيّام، حينما كنت تأتي مُرافقًا لأبيك مُدّعيًا مساعدته في بناء عمارة عمي. كنت أعلَم جيدًا يومها أنّك آتٍ لتتحيَّن فُرصة الدّخول لمنزلنا، بحجَّة أخذ الشّاي للعمال.
ثم تأتي لتطْلب الغداء، والقهوة، وحتى الماء... تُطيل من وقوفك وتبالغ في تفاصيل حديثك.. حينها استطعْتَ أن توجَّه لي الأوامر التي كانت السّبيل الوحيد لإطالة الوقوف معي خلف الباب. كنتُ أراك شرقيًّا، أو أميرًا يهوى إملاء التّوجيهات وترى بي ذكوريّتك، هذا ما كانت تبوح به عيناك.
أذكر حين حدثْتَني عن قهوتك السمراء بطريقةٍ فوضويّة خارج السياق!
- أريد خمسة فناجين من الشاي، اثنين وسط، واحد سادة، واثنين سكر زيادة!
- سأضع لك السُّكريّة وأنت ضع كما يحلو لك من السكر..
- أنا لا أشرب إلا القهوة السمراء!
كان هذا الحديث المُختلق من خلف باب بيتي هو أولى لحظات وقوعي فريسَة إدمان القهوة السمراء..
نعم، ها أنا أكتشفُك يا يوسف، أكتشفك بعدما أثقل غبار الأيام طفولتي، غبارٌ أعماني عن رؤية قلبي، لتصبح وظيفته ضخُّ الدماء لا أكثر..
كنتَ صغيرًا على عمل البناء مع والدك، لكنَّك كنت مثابرًا، ناضجًا بذوقِك الأخّاذ، كان يشدُّني إعجابك اللامرئيَّ بي، شعورٌ لا يلمحُهُ أحدٌ سواي..
أقف على الشّرفة لأراك ذاهبًا إلى المسجد مع أخيك، لطالما أبغض أخوك عمي بسبب عمله في أجهزة السلطة الفلسطينية. لم أك أفهم آنذاك لماذا، وكنت أتمنى أن أبقى طفلةً، كي أبقى كذلك..
كنت أحبك، وما زلت.. نعم أحبك.
يحدث أن نحبَّ شخصًا ولا نعرف أن ذلك هو الحب، لم تكن لي أخًا أبدًا، فخجلُك الدّائم وحِرصُك على إثارة إعجابي كان يُلغي ذلك في نظري.
لو كنت أعلم يومها معنى الحب لقلتها "أحبّك"، والآن ها أنا أنفرد بهذا الاعتراف لنفسي، أضمُّه باحتِقانٍ لدمعي..
***
سجن السرايا، أشجارٌ منسقةٌ كغابة، لا أحد يعتني هناك بالشجر، غرفة بسريرٍ حديديٍّ، ونافذة بقضبان تطلُّ على حديقة..
طعامٌ جيد على الطاولة، قطعة دجاج وطبق أرز. في هذا السجن يمنحون المعتقلين طعامًا فاخرًا، فقد وجد يوسف نفسه انتقل من سجن إلى آخرٍ أرقى بكثير.
يقبع السجن في وسط قطاع غزة، في منطقة تُسمّى السّرايا، تلك المنطقة التي شُيَّدت في الثلاثينيات من القرن العشرين، إبان الإحتلال البريطاني لأرض فلسطين. معاصرًا أحداث غزة لأكثر من سبعين عاما، قد شهد البناءُ العديدَ من الحقبات منذ وجود البريطانيين والإدارة المصرية سنة 1922، ثم الاحتلال الإسرائيلي عام 1948 والذي حوَّله بدوره إلى منطقة عسكريّة يرأسُها جِنرال إسرائيليّ، إلى أن وصلت إدارة هذا المكان إلى يد السلطة الفلسطينية، وأصبح مقرًا للأجهزةِ الأمنيّة، يَحتَضِن في داخله جهاز الأمن الوطني، والاستخبارات العسكرية ،وسجنًا مركزيًا هو سجن السرايا..
الآن وُضِعَ يوسف في إحدى غرف الحجز الأوّليّ، والتي لا يعلمُ كم من مناضلٍ وكم من مجرم قد سُجِنَ في هذه الغرفة، فبسبب تعاقب السلطات التي كانت تديره، مرَّ عليه المقاوم والمدرّس كما مرّ القاتل والسارق..
يوسف في هذه الغرفة لا يستطيع أن يتكلم إلا مع السّجان، الذي اعتاد أن يستَوقِفه قليلًا للحديث كلّما دخل مقدّمًا له الطعام. كان السّجان لا ينفكُّ عن ذلك الحديث الذي بَرَع فيه، أصول العائلات وأسماء القُرى الفلسطينية التي دَثَرت أسرائيل أسماءَها ومعالِمها العربيّة، وعن كبواتهم، نكساتهم، نكباتهم....
استثار ذلك السجان الكهل ذاكرة يوسف، ودفعه للحديث عن أُصوله. فيوسف فلاح من قرية بربرة، ترك أجداده أراضيهم إثر حرب 48 ولجؤوا إلى غزة. كان يطلق على اسم عائلتهم عائلة الشيخ، وكان جده مختار تلك القرية، جاء إلى غزّة وهو بحالة ميسورة جدًا، لكنه لم يشترِ أيَّة قطعة أرضٍ من أراضي منطقة غزّة كالكثير من الناس، ظنًّا منه أن عودته إلى القرية لن تكون بعيدة. كان قادرًا على أن يشتري مساحاتٍ شاسعة من الأراضي آنذاك، ولو فَعل لما صار يوسف من طبقة المَوجوعين ببطاقات المُؤن ومساعدات الأنروا..
بدأ يومَه الأوّل في هذه الغُرفة دون أن يعرِف سبب بقائه هنا، بدأت ذكرياتُه تتلو عليه حروفَها، ويسأل نفسه: ماذا من الممكن أن أكون قد ارتكبت في حياتي؟
هل يعقل أني ارتَكبْتُ جريمةً وأنا نائم، لا علاقة تربِطُني بالأحزاب السّياسية، لم أسرق من أحد، ولم أكن عميلًا يومًا لأحد، لم أعمل في المؤسّسات المشبوهة، لم أخدم ثعلبًا ولم أقحم نفسي في أيَّةِ غابة..
ربّما هدّدْتُ أحدًا على سبيل المُزاح، فأنا أصغرُ من أن أُسيءَ لإنسان، ليس ضعفًا مني، ولكنّهُ استخفافي بالكثير من الأمور، ربّما هذا هو الضّعف بحدِّ ذاته..
لا أريد لعقلي أن يُفَلسِفَ الأمور، أريد فقط أن أَعرفَ ماذا أقترفتُ لأكون في هذا السّجن الفُندقيّ!
لماذا بعد كلِّ ذاك الإذلال في تلك الزّنزانة الدّمويّة، أُنقَلُ لهذه الغُرفة الفاخرة؟، هل اختلطت عليهم الأمور وأنا هنا لسوء فهم؟
هل هناك أحدٌ لاحظ اختفائي؟ لا أظن ذلك، فأنا اعتدت أن أغيب لأسابيع دون أن يهتم أحد، أنا من عوّدتُهم على ذلك..
مرَّ أكثر من ثلاثة أيام، وكلُّ ما استَطَاع استِشفَافَهُ من السجان أنه في هذه الغرفة ليس كسجين، وإنما مُتَحَفَّظٌ عليه، كورقة ضغط في يد أحد المسؤولين، ولا أحد يعلم مكانه إلاّ أربعة أشخاص: النقيب رفعت والمسئول والسّجان، والشّخص الذي لأجل الضغط عليه قد سُجن يوسف..
الأيام تمرُّ، ويوسف يمرّ بها بما استطاع من صبرِه، يخاطب السّجان مرة، ويَستسلِم باقي اليوم لأفكارٍ تُمشِّط وبر جسدِه.. من هذا الشخص، ولماذا؟
بين من ولماذا، احترق عقلُه..
***
ارتأت الجلوس على كرسيِّ مكتبها والاسترخاء، أقفلت جُفنيها في وجه النور، غدا كلُّ ما تراه ظلامًا. أخذت تتنفَّسُ بشكلٍ مُتقطع، فلقد قرأت شيئًا عن هذه العملية التي تُساعدها على التركيز..
لمع نورٌ داخل أحداقِها، نورٌ يوقِظ غفوةَ الحبِّ المُزمِن، تستذكر الحبَّ الذي سمَّتهُ آنذاك بكلِّ شيءٍ إلا الحب، أخذتها ذاكرتها المشوَّشة إلى أبعد ممّا تُريد، بدأت أنفاسُها تُتابع الظلَّ الذي تراءَى أمامها كصورةٍ مرئيّةٍ لعرضٍ سينمائي، لذكرى مضت وكان من المُفترض عليها ألّا تدعَها تعودُ، ولكنّها عادت...
كان يوسف يعمل أيام دراستِهِ الثّانوية في مجال الدّعاية والإعلا،ن إلى جانب مهاراته المُختلفة على الحاسوب، وكان على علاقةٍ وطيدةٍ مع المسرح والسينما، ويحرص دائمًا على حضور الأعمال المسرحيّة في غزّة، سواءَ كانت جيِّدة أو سيِّئة، أو حتى التي يتمُّ تنفيذُها بطريقةٍ أو بأُخرى لغسيل أموال الممولين..
وصلت مع عمها نبيل إلى مسرح الهلال الأحمر الفلسطيني، الواقع في منطقة تلِّ الهوى في القطاع. كانت السّاعة الثامنة مساءً، في ذلك الوقت عادةً لا يتواجد في المسرح إلا من يقومُ بالتدريب على البروفات المسرحية، أو من جاء لتجهيز المسرح لمعرضٍ أو مهرجان. دخلت مريم المسرح بكامل أناقتِها، ترتدي تيشرت "بنفسجيّ" وبنطال جينز، وجزءٌ من شعرِها يغطَّي عينيها ويداعبُ رموشَها. صافح عمها المخرج والممثل المسرحي الفلسطينيّ فراس علي، والذي يعمل أيضًا مديرًا في التلفزيون المحلي الفلسطينيّ. كان ترحيبه الشديد شيئًا من الضعف، فقد بالغ الترحيب بعمّها كثيرًا، ثم جاء وسلَّم عليها، وتبادلا حديثًا ترحيبيًا قصير:
- لا بد أن أُخرِج لك يومًا فيلمًا سينمائيًا، فأنتِ فاتنةٌ كنجمات هوليود..
- وما الدور الذي تراه يُلائمني أكثر؟
- شكسبير، أنت جولييت، تستطيعين أن تُشعلي بجمالك حربًا بين عائلتين..
ردت ساخرة:
- لا أحبِّذُ شكسبير، أفضِّلُ أدوار سعاد حسني...
لم تكن مريم تخجل عادةً من التعامُل مع الرجال، فقد رافقت عمَّها في الكثير من المناسبات الرَّسمية، فزوجةِ عمّها ظلَّت لفترةٍ طويلةٍ لا تُنجب، وكانت مريم بمثابة ابنَتِه وربما أكثر، وأخذت من سلطةِ عمِّها الجرأة والحريَّة والحيويَّة! كان يأخذ رأيها في كثيرٍ من الأمور في حياتِهم الاجتماعية، وكان كثيرًا ما يختلِف معها في النقاش، ويُثرِي عقلها بالمعلومات السّياسية والثقافية ونظرتُه إلى الحياة، والتي من الممكن وصفها بالميكافيليِّة..
طلب المخرج فراس من العقيد نبيل أن يتفضَّل بالجلوس، كي يستمع لموسيقى المسرحية التصويريَّة، مُدركًا ذوقَهُ الخاص في هذا المجال. وطلب من مريم مُناداة يوسف من غرفة التحكم، التي تقع أعلى المدرجات، وأن تطلبَ منه أن يشغّل إضاءة المسرح المُعدة مسبقًا للمونولوج المسرحي الذي سوف يتخلَّل منتصف المسرحية، فقد كان يوسف مساعدَ مخرج في هذه المسرحيّة المُتحدِّثة عن السلام، ذلك الموضوع الروتينيّ في الأعمال المسرحيّة، والتي يَسهُلُ الحصولُ لها على تمويل..
طرقت مريم باب الغرفة وقلبها يتلهَّف بتَمَنُّعٍ لرؤيةِ يوسف، تحت ظروفِ هذه الصدفة المُفتعلة، بعد أن عرفت مسبقًا أنّهُ هناك، فقد قرأت آخر تحديث ليوسف على الفيسبوك، والذي ذكر فيه أنّه سيكون هناك مع المخرج فراس علي، لتنفيذ بروفات المسرحية. بدأت مريم تشعرُ بأنَّ قواها تنكبُّ خارجًا عن سيطرتِها، ترتعشُ مشاعِرُها بخفةٍ كأثرِ اللهيب على فراشة.. وما إن استدارت قبضة الباب، استجمعت قواها المُتراخية وجمَّدتها بصلابةٍ أمام يوسف..
- مرحبًا كيف أهلك؟ كيف خالتي أم لؤي؟
فردَّ ساخرا وبقوّةٍ يخفي تحتها الفرحة، لتُرَّجح كفَّته في ميزان قوى الشخصية:
- أهلي وخالتك... الحمد لله بخير..
ودون وعي مسبق، تمرَّدت مشاعره عليه، جذبتهُ كالمغناطيس، أصبح عقله خارج سيطرته قليلًا، بعيدًا عن قواه، جُرمٌ يسبح في الفضاء..
اقترب منها واحتضنها.. كانت تلك اللحظة الأجرأ في حياته، رغم معاناتِه بالامبالاة المُزمنة، إلّا أن تلكَ الثواني التي ذابت أرواحهما فيها هزَّته كما تهزُّ الثورات عروشَ الملوك والطغاة..
مضت أقلُّ من ثوانٍ ومريم بين ذراعيه، عادت مريم لقوتها ودفعتْهُ فجأةً بعيدًا عنها، وكادت أن تصفعه.
***