‏إظهار الرسائل ذات التسميات رواية يوسف يا مريم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رواية يوسف يا مريم. إظهار كافة الرسائل

رواية يوسف يا مريم ( 8 ) والأخيرة

على بُعد أمتارٍ قليلة من مياه البحر، في مدينة العريش المصرية، يقع الشاليه الذي تقيم فيه مريم..
أشجار النخيل هناك تقف شامخةً، تختلط خُضرتها مع زُرقةِ البحر، تفصل ما بين الشاليه وأمواج الشاطئ.
تستطيع التحرَّك بسيَّاراتك بسهولةٍ في هذه المدينة، لا كمائن، لا كبائن، ولا وجود إلا للحياة، تنتابُك هناك هالةٌ من الهدوء والمحبة والسكينة، تُخرِج منك أصدق ما فيك. العالم هناك منفصلٌ عن المدنية، حيث تَنفض أصوات الموج عنك الزُحام..
استطاعت مريم أخيرًا أن تحصل على خطِّ اتِّصالٍ بشبكة الإنترنت. استعدَّت للخروج إلى الشاطئ، أحضرت اللاب توب الخاص بها، وخرجت من الشاليه..

رواية يوسف يا مريم ( 7 )

فندقٌ قريبٌ من المخيَّم، بعيدًا عن هواه المُثقلِ بالألم، يُطلُّ على شاطئ البحر، وعلى أهمِّ موانئ فلسطين التاريخيَّة..
ميناء غزَّة، المكان الأجمل في القطاع، عريقٌ، لم يغبْ عن نصوص التاريخ، كان محوريًّا في العالم القديم مُتربِّعًا على طُرق القوافل التجاريَّة، وقد اُكتُشِفَت فيه مؤخرًا مجموعةٌ من الأعمدةِ والتيجان الرخاميَّة، يعودُ تاريخها إلى الفترة الرومانيَّة زمنَ الإمبراطور قسطنطين، أي أنَّها تعود للعام 335 م..
يجلس رأفت والعقيد في مطعم الفندق، المفتوح على السماء وعلى البحر، الذي يحملُ بخفَّةٍ مراكب الصيد وبعض السُّفن التي لم تتحرَّك من مكانِها منذ سنين.. سُفنٌ يزيِّنُ جانبيها الصدأ، وقِصصٌ وأساطيرٌ ألِفَها وتآلَفَ معها أبناء المخيَّم، وروَّاد المقاهي البسيطة..
بوارجٌ اسرائيليَّة على بعدٍ لا يتجاوز بِضعَ مِئاتٍ من الأمتار، يتسلَّى الجنود على متنِها باقتناصِ الصيَّادين، إذا ما تجاوزوا رصيفَ البحر..

يوسف يا مريم ( 6 )

استيقظت في الصباح باكرًا، أعدَّت قهوتها برفقٍ كما الريشة في يد الفنان، انْتَشَتْ بعَبَقِ الهيل، كان يطير في الهواء مُحتَضِنًا معه رائحة البنِّ الأسمر. لا يعكرُ صفوَ قهوتها السُّكر، مُرَّةٌ كما تعلمتها من يوسف.
فتحت جزءً من النافذة، وأسدلت السِّتار. كان ضوء الشّمس يتشكَّل على سريرها بخطوطٍ أفقيَّة، أشعة الشمس التي تقتَحِمُ غُرفتها تشكِّل حركة تناغمٍ ما بين الديكور والطبيعة. في الشّتاء أو الصّيف، في الغروب أو الشّروق، في كلِّ الأوقات تتداخَلُ الطّبيعة مع ديكور غُرفتها لتشَّكل لوحةً خاصة، فلقد صمَّمت بنفسها تفاصيل الغرفة، بجُدرانها وألوانها والسَّتائر، والشراشف، والأثاث..
كانت ترتدي قميصَ نوم ٍأزرق قصير شفَّاف، يُظهِر ملابسها الداخليَّة البيضاء، جسدها أجمل من عارضات الأزياء، منذ نعومة أظافرها وهي تُواظب على الذهاب إلى النادي، حتى أصبح جزءً من يومها. أشعَّةُ الشَّمس كانت تُلامس ساقيها البيضاوين على السَّرير، كانت تضاعف جمال ساقيها، وتضيف ما يكفي لإغراق آلاف من الرجال في حبِّها. شعرها الأسود الطويل مَرْخيٌّ على كتِفَيْها بشيءٍ من العفويَّة أو الفوضى المُشتهاة، كأنَّه يَنتَشي من ملامسة كتفيها. ونهدان مُمْتَلِئان، من الشمس يأخذان حرَّهما، الشَبَقُ في نواتيهما، يعكس أوج أنوثتها وطبيعة أحلامِها الليليَّة، نافرين، جميلين، يناديان حبيبًا واحدًا، كحبات الكرز، لكن مُحرَّمين على جميع الرجال.

رواية يوسف يا مريم ( 5 )

 صوتُكِ الأرجنتينيّ..
سنجلس أحرارًا على رصيف شارعِ، في مفاصل بلادي، أسرق لك وردةً حمراء من حديقة الجار، لن يمانع.. أعرف ذلك، قال لي مرة "جمال الورد هذا كلُّه صدقةٌ جاريةٌ على روح زوجتي"..
يتجرأ الحمام ويجلس بالقرب منا يلتقط الحب،..
أقول: "أريد أطفالًا بعدد هذا الحمام"، تضحكين وتُسَّمين كلَّ حمامةٍ كأنّها ابنتك، كأنّها ابنك..
حبيبتي... غنِّي!
دقائقٌ من الخجل، ثم سرعان ما يطرُبُني صوتُك، أرقص التانجو مع صوتك الأرجنتينيّ، وينتهي الحلمُ بيديك تطوِّقان ذارعيَّ وقِبلةٍ وتصفيقٍ حار..
"من أين جاء كلُّ هذا الجمع!" تقولين لي بهمس...
أقول: "أبناؤك يُفشونَ سرَّ الحب...، هذا الحمام رسول الحب"..…"..
كان هذا النص من الكتابات المفضلة، التي تُشعِل قناديل الفرح في قلبها، وإن قرأتْها يتألَّق القدرُ برسم السعادةِ على وجهها. وكانت تلك طريقةُ يوسف في الحبُّ، يكتب، فتقرأ، تعي مَقصَدَهُ، يُفرِج عن قلبه، ويَظلُّ هكذا حُبُهُمَا صامتًا..
***

رواية يوسف يا مريم ( 4 )

هذه هي جدران السجن، وتَشقُّقات الحائط تسمحُ بتسرُّبِ الحنينِ من مساماته.. هو الحبُّ، ذلك الفُندق الواقع في ذاكرتنا، والذي نهربُ إليه إذا ما لاحقنا الفراغ.. هو الحنين المُشتَهى، هو ليلُ هذا السّجين بلا سبب..
على الجدران تجد الشيء وضِدَّهُ، كلماتٍ ثوريَّة، رسوماتٍ وطنيَّة، ألفاظًا إباحيَّة، ورسوماتٍ ساخِرة..

رواية يوسف يا مريم ( 3 )

غمامةٌ على الوجه، كرسيٌّ يعاني الشّيخوخة، ظلامٌ دامس، تلك معالِمُ غُرفة الموت.
 يدخل النقيب رفعت، ومعه مجموعةٌ لا بأس بها من الألفاظ النابية.. يسأله يوسف: أين أنا؟ من أنتم؟..
فيجيب النقيب بصفعةٍ على وجهه، ثم يركل الكرسيَّ الذي ثُبِّت به يوسف، فينكسر ويرتَطم رأس يوسف بالأرض. يفرُك النقيب جزمته على رأس يوسف، كما يفرك المدخّن سيجارتَهُ تحت قدمه.. يكسر زجاجة شراب بكعِب قدم ضحيّته، ثم يضعْها على الأرض ويطلب من السّجّان أن يُجلِسَه عليها. وما هي إلا لحظات، وتخشع الجدران وجعًا على صراخ يوسف.

رواية يوسف يا مريم ( 2 )


لقاءٌ جمعهما من جديد في مكتبة الجامعة، ربما كان ذاك المكان الوحيد المصرّحُ فيه بالاختلاط مع الأنثى في قطاع غزة، وتحت أنظار عيون موظفي أمن الجامعة..
يذكر جيدًا الحديث الذي دار معها، حين علّق ساخرًا على كتاب نوال السعداوي في يدها، قائلًا بثقة الشرقيّ المبالغ بها: إنّ أفكارًا لا تقفُ بجانبك أو تساندك هي أفكارٌ هشّةٌ، لا تسمن ولا تغني من جوع.
كما يذكر ردّها الذي ما زال يطرق أذنيه: أفكاري طالما وقفت إلى جانبي، واغتصابكم لحقوقنا هو ما يثقل كاهلي، فإن كان هناك من هشاشةٍ فهي حتمًا فيك...... أنت.

رواية يوسف يا مريم ( 1 )



الثالوث المحرم!
 هذا السرُّ الذي يأخذني إلى التغني بالوفاء، هذا الحب الذي لم تقتل عذريته مقصات الفراق، هو حصيلة انبلاج دم الماضي الرقيق الذي كلما حل ضيفًا على الذاكرة أصاب المشاعر بدغدغةٍ تلطِّف أجواء الحياة، يأخذني على بساط الريح إلى لفحة الربيع الملازمة لكل خريف، لأزهارٍ وأشجارٍ أغصانها القلب تنبت في أيِّ موسم ٍمن حديقة الإنسان للإنسان، تلك الفترة التي أحببتكِ فيها هي ذخيرتي للأمام، لا تصيبني بأجواء الندب والحزن إن حضرت كالنسمة على شريط الذاكرة، بل بفخرٍ مبعثر التكوين من تراب وهواء ونار وماء...